هل الجاذبية دليل على وجود محاكاة حاسوبية في الكون؟
في دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية AIP Advances التابعة للمعهد الأمريكي للفيزياء، قدّم فريق من الباحثين من جامعة بورتسموث أدلة جديدة تشير إلى أن الكون قد يعمل كنظام حاسوبي معقد. تندرج هذه الفكرة ضمن مجال فيزياء المعلومات، الذي يفترض أن الواقع، على مستواه الأعمق، لا يتكون من مادة وطاقة فحسب، بل من معلومات منظمة. تقترح الدراسة أن الجاذبية ليست قوة جذب بين الأجسام، كما وصفها نيوتن وآينشتاين، بل نتيجة عملية معلوماتية تهدف إلى تنظيم المعلومات وتقليل تعقيدها بكفاءة، على غرار ضغط البيانات في الحواسيب. ترتبط هذه الفرضية بمفهوم أوسع يرى أن الكون قد يكون محاكاة حاسوبية متقدمة، وهي فكرة تكتسب اهتمامًا متزايدًا في الأوساط العلمية.
استنادًا إلى أبحاث سابقة، يرى الفريق أن المعلومات تحمل كتلة، مما يعني أن كل جسيم في الكون لا يمتلك خصائص فيزيائية مثل الكتلة والشحنة فحسب، بل يخزن معلومات أيضا، مشابها لتشفير الحمض النووي للمعلومات الوراثية. تذهب الدراسة إلى أبعد من ذلك باقتراح أن الفضاء مكون من “خلايا” أو “بكسلات” دقيقة، تمثل أصغر وحدات الزمكان، وتعمل كوحدات ذاكرة حاسوبية تسجل المعلومات رقميا (“0″ للخلايا الفارغة و”1” لوجود مادة). يشير هذا النموذج إلى أن الكون يعمل بنظام تحديث مستمر لحالة كل خلية، متتبعا المناطق التي تحتوي على مادة وتلك الخالية منها. وفقًا لهذا التصور، تنشأ الجاذبية بشكل طبيعي من هيكلية المعلومات الرقمية، حيث تقلل تجمعات المادة في خلايا أقل من كمية المعلومات التي يحتاج الكون لمعالجتها، مما يشبه ضغط الملفات في الحواسيب لتوفير المساحة وتحسين الأداء.
تفسر هذه الفكرة الجاذبية كنتيجة لسعي الكون إلى تبسيط هيكلية معلوماته. يميل الجسيمات إلى الاقتراب لتكوين أجسام أكبر تشغل خلايا أقل، مما يقلل من كمية المعلومات المستقلة التي يتعين على الكون تتبعها. هذه العملية تجعل المهام “الحسابية” الكونية أكثر كفاءة وأقل استهلاكا للطاقة، على غرار تصميم برامج الحواسيب التي تهدف إلى تقليل العمليات الحسابية. بدلاً من اعتبار الجاذبية قوة غامضة، يمكن تصورها كقاعدة تحسين مضمنة في الإطار المعلوماتي للكون.
على الرغم من أن هذه الفرضية نظرية ويصعب التحقق منها تجريبيا على نطاق الكون، فإنها تقترح أن الجاذبية ليست قوة أساسية، بل ظاهرة ناشئة ناتجة عن ميل الكون إلى تنظيم وضغط المعلومات. من خلال افتراض أن المادة والزمكان ينشآن من هياكل معلوماتية أساسية، تقدم الدراسة إطارا جديدا لتفسير الجاذبية كعملية تحسين حوسبية، مع آثار محتملة على فهم الديناميكا الحرارية للثقوب السوداء، طبيعة المادة والطاقة المظلمتين، وميكانيكا الكم. تدعم الدراسة بقوة فكرة أن الكون يعمل كنظام معلوماتي متقدم، حيث يتشكل الواقع وتديره مبادئ ديناميكيات المعلومات.
في سياق متصل، تظل معادلات آينشتاين، رغم أهميتها كحجر زاوية في فهم الجاذبية، غير مكتملة في تفسير جميع الظواهر الفيزيائية، خاصة في إطار ميكانيكا الكم. بينما تفسر النسبية العامة العديد من الظواهر المعقدة، فإنها تترك جوانب دقيقة من الكون دون تفسير كامل. هذا النقص دفع العلماء، ومن خلال هذه الدراسة، إلى طرح تساؤلات جديدة واستكشاف أفكار مبتكرة، مثل كون الجاذبية نتيجة “ضغط” معلوماتي، والكون نفسه محاكاة حاسوبية. تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لطبيعة الكون، متجاوزة الإطار التقليدي الذي حددته معادلات آينشتاين وغيرها.
المراجع للتعمق – الدراسة هنا

كاتب، مدقق، مترجم وكاتب مقالات علمية ومحرر في كافة مشاريع ويكيميديا، ومؤسس منظمة الباحثون التونسيون

إرسال التعليق