الغربان أصبحت تتعرف على الأشكال الهندسية كالبشر
في دراسة علمية حديثة ومثيرة للإعجاب، أجراها فريق من الباحثين بجامعة توبنغن الألمانية، ونُشرت في دورية “Science” العريقة، كشف الباحثون عن قدرات معرفية استثنائية لدى غربان الجيف، المعروفة علميا باسم Corvus corone. فقد أظهرت هذه الطيور قدرة مذهلة على التعرف على الأشكال الهندسية بسلاسة، وهي مهارة كان يُعتقد سابقًا أنها حصرية للبشر.
في هذه الدراسة، أجرى الفريق تجارب على غرابين ذكرين بالغين، يبلغ عمر كل منهما حوالي عشر سنوات. وتشير دراسات سابقة إلى أن الغراب البالغ يمتلك مستوى ذكاء يعادل ذكاء طفل بشري تتراوح أعماره بين 5 و7 سنوات. تفاعل الغرابان مع شاشة تعمل باللمس لتحديد الشكل المختلف من بين ستة خيارات. في البداية، نجحت الغربان في تمييز أنماط بسيطة، مثل الهلال بين النجوم، بدقة مذهلة، وحققت معدلات نجاح تجاوزت 60% في المحاولات الأولى مع الأشكال الرباعية، وهو أداء يفوق بكثير نسبة 16.7% المتوقعة بناءً على التخمين العشوائي.
تتحدى هذه النتائج الفكرة السائدة بأن الحدس الهندسي مقتصر على البشر، مما يشير إلى أن هذه القدرة قد تكون سمة معرفية مشتركة متجذرة في البيولوجيا التطورية. واستمر أداء الغربان ثابتا حتى عند تغيير الأشكال ومواضعها، مما يعكس قدرة إدراكية متقدمة لا تتطلب تدريبا مكثفا، على عكس قردة البابون التي فشلت في أداء مهام مماثلة في دراسات سابقة.

صُممت التجربة بعناية لاختبار قدرة الغربان على اكتشاف الفروق الدقيقة في الأشكال. بدأت التجارب باختبارات بسيطة ثم انتقلت إلى اختبارات أكثر تعقيدا، مثل مقارنة أشكال تحتوي على جزء غير متماثل بشكل طفيف، كزاوية أو خط منحرف. في إحدى التجارب، تم تعديل شكل بتحريك زاوية واحدة بنسبة 75% من متوسط طول الجانب، وهو تغيير أكبر مما استُخدم في اختبارات قردة البابون الفاشلة. أظهرت النتائج تفوق الغربان على التخمين العشوائي في جميع التجارب الستين الأولية، خاصة عندما كانت الأشكال تتبع قواعد واضحة، كالمربعات أو الأشكال شبه المنحرفة، حيث فهمتها الغربان فورا دون الحاجة إلى تدريب طويل، على النقيض من قردة البابون التي تطلبت تدريبًا مكثفًا وفشلت في المهمة.
كشفت النتائج عن تشابهات مدهشة بين طريقة إدراك الغربان والبشر للأشكال. على سبيل المثال، واجهت الغربان والبشر على حد سواء صعوبة في التعامل مع الأشكال المعينية بسبب مظهرها المائل المربك. وهذا يشير إلى أنه، رغم تطور الغربان والبشر بشكل منفصل لأكثر من 300 مليون عام، فإنهما يتشاركان طرقا متشابهة في إدراك السمات الهندسية، مثل الأشكال المتداخلة، والزوايا المتساوية، والخطوط المستقيمة.
من المحتمل أن يُعزى الأداء اللافت للغربان إلى حدة بصرها، وهي سمة تظهر في طيور أخرى مثل الحمام والدجاج، التي تعتمد على التماثل في اختيار الشركاء أو التنقل. وعلى عكس الرئيسيات، التي تطورت بشكل مختلف، طورت الغربان ذكاءً مستقلاً ربما لدعم البحث عن الطعام، أو التنقل، أو العيش في مجموعات. وبما أن الطيور لا تمتلك نفس بنية الدماغ الموجودة لدى الثدييات، يثير هذا تساؤلات علمية حول الأجزاء المحددة في دماغ الغراب التي تدعم هذه القدرات المعرفية المذهلة.
المراجع للتعمق – الورقة البحثية هنا

كاتب، مدقق، مترجم وكاتب مقالات علمية ومحرر في كافة مشاريع ويكيميديا، ومؤسس منظمة الباحثون التونسيون



إرسال التعليق