شجرة التونكا تحوّل الصواعق إلى سلاح فتاك

شجرة التونكا تحوّل الصواعق إلى سلاح فتاك

مساء الخير جميعًا. في ورقة بحثية جديدة مثيرة أعدّها فريق من الباحثين من جامعات أمريكية مختلفة، بالتعاون مع معهد كاري لدراسات النظام البيئي، ونُشرت في دورية New Phytologist، اكتشف العلماء أن شجرة فول التونكا، المعروفة أيضًا باسم Cumaru واسمها العلمي Dipteryx oleifera، وهي من الأشجار الشاهقة التي تنمو في الغابات المطيرة المنخفضة في بنما، قد طوّرت قدرة مذهلة لا تقتصر فقط على النجاة من ضربات الصواعق، بل حوّلت هذه الظاهرة إلى ميزة استراتيجية تمنحها تفوقًا على النباتات المنافسة.

فعلى عكس معظم الأشجار التي تتضرر أو تموت عند تعرضها للصواعق، تتمتع هذه الشجرة بقدرة عالية على المقاومة، وذلك بفضل الموصلية الكهربائية الداخلية المرتفعة التي تسمح بمرور التيار الكهربائي دون التسبب في ارتفاع مميت في درجة الحرارة. وعندما تتعرض لضربة برق، فإن هذه الطاقة الهائلة تقضي على الأشجار المحيطة بها، بالإضافة إلى نحو 80% من الكروم الطفيلية التي تنمو على الشجرة ذاتها، ما يؤدي فعليًا إلى التخلص من منافسيها.

وقد قدّرت الدراسة أن كل ضربة صاعقة تقضي على أكثر من 2.4 طن من الكتلة الحيوية للأشجار المجاورة، ما يمنح شجرة التونكا قدرة أكبر على الوصول إلى ضوء الشمس والموارد. وعلى مدى عمرها الطويل، الذي قد يمتد لقرون، تتعرض هذه الأشجار لعدة ضربات، وكل ضربة تعزز من سيطرتها على الغابة. وتُظهر الدراسة أن هذا التفاعل يمنح الشجرة زيادة مذهلة في إنتاج البذور تصل إلى 14 ضعفًا على مدى حياتها، ما يضمن نجاحها في التكاثر وبقاءها طويل الأمد داخل النظام البيئي.

كما كشفت الدراسة كيف يمكن لظاهرة طبيعية مثل الصواعق، التي يُنظر إليها عادة كقوة مدمرة، أن تلعب دورًا في تشكيل النظم البيئية للغابات من خلال تفضيل أنواع معينة من الكائنات القادرة على التكيّف، مثل هذه الشجرة. ومن خلال شبكة مصممة خصيصًا من أجهزة استشعار المجال الكهربائي، إلى جانب التصوير باستخدام الطائرات دون طيار، تتبع الفريق ما يقارب 100 ضربة صاعقة في نصب بارو كولورادو التذكاري الطبيعي في بنما. وتأكد لهم أن أشجار فول التونكا لم تتأذّ أبدًا، في حين أن الأشجار والنباتات المجاورة قد دُمّرت تمامًا.

وأظهر تحليل البيانات على المدى الطويل أن الأشجار التي تنمو بالقرب من أشجار التونكا كانت أكثر عرضة للموت نتيجة ضربات البرق مقارنة بالأشجار المجاورة لأنواع أخرى، ما يشير إلى تكيّف تطوري تستغل فيه شجرة التونكا الصواعق كسلاح ضد منافسيها. وقد ألقى هذا الاكتشاف الضوء على كيفية مساهمة الاضطرابات الطبيعية، كالصواعق، في تعزيز هيمنة أنواع محددة. ويرى الفريق البحثي أن آليات مماثلة قد تكون موجودة في نظم بيئية أخرى، حيث يمكن للأشجار الطويلة والموصلة للكهرباء استغلال الصواعق للحد من نمو المنافسين.

إن قدرة شجرة التونكا اللافتة على النجاة من الصواعق والاستفادة منها تُعدّ نتاجًا لتكيّفات تطورية طويلة الأمد. ففي الغابات الاستوائية المطيرة، أدت العواصف الرعدية المتكررة إلى تفضيل الأشجار ذات الموصلية الداخلية العالية، القادرة على تحمل التيارات الكهربائية دون الوصول إلى درجات حرارة مميتة. وعلى مدى آلاف السنين، ساهمت الطفرات الجينية التي تعزز المقاومة الكهربائية وتشتت التيار بفعالية في بقاء هذه الأشجار، في حين اندثرت المنافسة الأقل قدرة على التكيف.

وقد أدى هذا التطور التدريجي إلى نشوء نوع نباتي عملاق مقاوم للصواعق، قادر على تحويل الضربات الكهربائية إلى أداة تقضي على المنافسين. كما ساعده ارتفاعه الشاهق وعمره المديد على التعرّض المتكرر للصواعق، ما أوجد حلقة تغذية راجعة تؤدي إلى إزالة المزيد من الأشجار المنافسة، وبالتالي تعزيز فرص الوصول إلى الضوء والمواد المغذية، وزيادة النجاح في التكاثر. وبهذا تحوّلت الصواعق، من تهديد مدمر، إلى سلاح استراتيجي فتّاك.

لمن أراد التعمّق، الورقة البحثية هنا

تعليق واحد

comments user
سيرين العياشي

ابداع بصراحة 🙏

إرسال التعليق