الفيروسات القهقرية، أحد الركائز الأساسية الدامغة لمبرهنة التطور
لو صادف وأنك تفرجت في مسرحية الزعيم لعادل إمام، فالأكيد راك مازلت تحفظ الجملة الشهيرة للراحل مصطفى متولي “القوات تتقدم، القوات تتقهقر”، وبسرعة القوات تتقهقر وترجع للخلف بكل تنظيم، هذا فقط مثال من المخيال الشعبي لأنو المقال التالي يدور حول التقهقر، شوية مقعد لكنو مبهر، نحاولو نركزوا فيه شوية، المهم، الفيروسات القهقرية أو Retroviruses، فيروسات مختلفة عن العادية، وعندها قدرة رهيبة على إدخال مادتها الوراثية في الحمض النووي متاع الخلايا المضيفة بطريقة مختلفة كليا.
النوع هذا أصبح أداة أساسية في دراسة التاريخ التطوري للبشر وأقرب أقربائهم من الرئيسيات، وقت تندمج الفيروسات هذي بشكل دائم في جينوم النوع المضيف، فإنها تشكل ما يسميه الباحثين الفيروسات القهقرية الداخلية (ERVs)، وتولي تخدم كنوع من التوقيع الجزيئي فريد، الشيء سمح للمجتمع العلمي باش يتتبع بكل دقة عن طريقها السلالة المشتركة متاعنا على مدى ملايين السنين.
باش توضاح الصورة شوية، الفيروسات الي نراوها تحت المايكروسوب هي كائنات ضعيفة لا حول ولا قوة لها، شبه ميتة، لكن وقت تدخل لخلية ما، تولي شرسة جدا، هي ديما بحاجة لمضيف أو Host باش تستنسخ نفسها وتبدا تكشر على أنيابها الحقيقة، هنا، وقت يصيب الفيروس القهقري خلية مضيفة، وعلى عكس الفيروسات النموذجية الي تتكاثر وتخلي الخلية في النهاية، بل هذا يحوّل الجينوم متاع الحمض النووي الريبي (RNA) الخاص بها إلى DNA ويدمجوا في الحمض النووي للخلية المضيفة، ويولي جزء منها وممبعد ينتشر، وفي بعض المرات في الخلايا الجرثومية كيف خلايا الحيوانات المنوية أو البويضات، والشيء هذا يضمن انتقال المادة الوراثية الفيروسية عبر الأجيال، وهذا علاش تتسمى ذاتية، وبمرور الوقت، الطفرات في التسلسلات الفيروسية المتكاملة هذي تتراكم، لكنها تحتفظ ببقايا يمكن التعرف عليها من العدوى القديمة وهنا مربط الفرس.
هنا وبدون صدمة يعني، البشر والرئيسيات الأخرى يتشاركو في العديد من الفيروسات القهقرية هذي في مواقع محددة في جينوماتهم، يعني مش فقط يتشابهو بل أماكن تواجدهم في الحمض النووي متطابقة، خاصة مع الشمبانزي (أقرب كائن حي لنا) وهذا يشير إلى أنو البشر عندو أصل تطوري مشترك معهم، وكلما كان فما ارتباط بين النوعين، كلما زاد عدد الفيروسات القهقهرية الي يتشاركو فيها، والإرتباط هذا بدورو يتوافق مع الشجرة التطورية الأوسع الي تم عنلوها من السجلات الأحفورية، والتشريح المقارن، وعلم الوراثة الجزيئي. الفيروسات القهقرية هذي تقدم في الحقيقة رؤى دامغة حول التوقيت متع الأحداث التطورية، ومن خلال دراسة المواقع الجينومية وأوقات دخول الفيروسات هذي، العلماء نجموا يقدرو بكل كفاءة وقتاش صارت العدوى الفيروسية هذي في مجموعات الأسلاف التي أدات إلى ظهور البشر والرئيسيات الأخرى، يعني كل شيء واضح ودقيق.
لا شد عندك توا، الأقوى من هذا، الفيروسات القهقرية هذي تمثل حوالي 8٪ من الحمض النووي متاع البشر، هي ماهيش مؤذية طبعا لكنها موجودة ومخلية التوقيع متاعها، البشر والشمبانزي يشتركوا في 7 مورثات فيروسية أو جينات فيروسية مختلفة، والرئيسيات الكل تشترك مع بعض في فيروسات قهقرية متشابهة، تخيل أنو في علم الوراثة مثلا وجود فيروس واحد مشترك هو دليل دامغ على وجود سلف مشترك، فمابالك بوجود 7 كاملين بين البشر والشمبانزي والأبحاث طبعا متواصلة والعدد في ارتفاع على ما يبدو.

كاتب، مدقق، مترجم وكاتب مقالات علمية ومحرر في كافة مشاريع ويكيميديا، ومؤسس منظمة الباحثون التونسيون



تعليق واحد