سربان، الوجه الحقيقي الجميل لأفغانستان

سربان، الوجه الحقيقي الجميل لأفغانستان

هذا المقال إهداء لروح الفنان الأفغاني الكبير عبد الرحيم سربان، تقديرا لموسيقاه التي عبرت الأجيال وتغلبت حتى على الحديد والنار التي قوبلت بهما يوما ما، إهداء لكل نفس تتوق للعيش بحريّة وبكرامة بشرية، ولا عزاء للأصولية أينما حلّت، في أي شكل وُجدت، وبأي رداء تدثّرت.

مساء الخير جميعا، مع نهاية ثمانينات القرن الماضي، القوات السوفيتية، وتحت قيادة الكولونيل العام بوريس غروموف بدات رسميا تنسحب من أفغانستان، ويوم 15 فيفري 1989 انسحبت بشكل كامل من البلاد، ثم في واقعة دراماتيكية تاريخية، تشعل حرب أهلية طاحنة في البلاد. في أعقاب الفوضى العارمة هذي، تظهر حركة طالبان، في البداية كانو ينظرولها على أنها قوة باش تحقق الاستقرار في بلد دخل في منعرج تاريخي خطير، وطبعا طالبان ككل الحركات الأصولية، ذئب يرتدي زي الخرفان تبطن ما لا تظهر حتى تتمكن، وبهذا تغلغلوا في النسيج المجتمعي بشكل كبير برشة، سيطروا على مساحة كبيرة من الأراضي، ثم في نهاية المطاف سقطت كابول على أيديهم في عام 1996، وعملوا ما يسمى “إمارة أفغانستان الإسلامية”. أيديولوجيتهم الخطيرة دفعت البلاد إلى حقبة خايبة برشة غيّرت المشهد الثقافي والفني والاجتماعي بشكل جذري، شوارع كابول الي كانت نابضة بالحياة، والي كانت مليانة فن وموسيقى ورسم، لبست رداء الغرابيب السود، الموسيقى على وجه الخصوص عانت بشكر كبير، وين تم تدمير الآلات الموسيقية، أغلقوا محطات الراديو، وطاردوا الموسيقيين ليل ونهار، أفغانستان، الي كانت معروفة بتراثها الثقافي الغني برشة، وفي انحراف تاريخي مؤلم، ولات أرض يحكمها الصمت والخوف.

أفغانستان، في الحقيقة ما كانتش هكذا البتة كما ذكرنا، كانت مكان يعج بالإبداع، وينبض بالحياة، ومركز وملتقى متاع الفنانين والموسيقيين في جميع أنحاء المنطقة، في العقود الي سبقت الغزو السوفييتي والحروب الأهلية الي جات ممبعد، البلاد كان فيها مشهد فني وثقافي مزدهر بشكل كبير برشة، الشوارع كانت مليانة موسيقي، رقص، الفنانين كانوا عايشين في أحلى فترة ربما، وين أبدعوا وفجروا طاقاتهم بشكل كبير. هنا، الموسيقى خاصة، كانت (ولازالت) تحتل مكانة خاصة في المجتمع الأفغاني، وين تشابكت أغاني الغزال الأفغانية الكلاسيكية والألحان الشعبية مع الأنغام والأصوات الحديثة أيما تشابك باش خلقت تقليد موسيقي متميز حقيقة، الفن عندهم كان شكل من أشكال الفخر الوطني، وين كانت الموسيقى بمثابة القلب النابض متع الشعب، ومن رحم المشهد الثقافي الديناميكي الرائع هذا، برز الفنان الألمعي عبد الرحيم سربان.

ساربان سطع نجمو وأصبح من أكثر الفنانين المحبوبين والمؤثرين في أفغانستان عبر تاريخها كامل، صوتو كان عندو صدى عميق برشة عند الشعب الأفغاني، جاء كأروع هدية لهم في الحقبة الذهبية هذيكا، وحمل ثقل الثقافة الأفغانية في موسيقاه وين مزج الشعر الفارسي الكلاسيكي مع الإيقاعات الحديثة باش يخلق حاجة جديدة تماما، الأفغان يتحدثوا الداري والبشتو والفارسية، ولكن الفارسية ديما قعدت لغة الموسيقى عندهم، المهم، الرجل عمل ثورة حرفيا في الموسيقى الأفغانية ونقلها لبعد آخر تماما، الأغاني متاعو عكست برشة مشاعر مختلطة، الفرح والحزن والعمق الروحي، الحنين، ومن أشهر أعمالو قعدت ديما أغنية لازالت تتردد لغاية قراءة هذه الأسطر وستظل طبعا أغنية “ديشب بخدا خمار بودم” وتعني (ليلة أمس كنت في حالة سكر روحي مع الله) غناية جميلة جدا جسّدت العمق التاريخي للموسيقى الأفغانية، ساربان عمل ثورة في الموسيقى الأفغانية خلق اتصال عاطفي وروحي من خلال صوتو القوي، موسيقاه قعدت رمز للهوية الأفغانية وشاهد عيان على الإمكانيات الكبيرة للشعب هذكا، إمكانيات رهيبة غطتها الغرابيب السود فيما بعد للأسف.

في تقلب دراماتيكي قاسي برشة، صعود القوة الأصولية هذي عطى ضربة قاسمة لفنانين كيف ساربان، السياسات الصارمة متاع طالبان حضرت كل أشكال الموسيقى والتعبير الفني، الشيء الي أجبر برشة فنانين يهربو، أو البعض منهم كانو ينشطو تحت الأرض في السر، والباقي توقفوا تماما، ساربان نفسوا تحول من أيقونة كبيرة لضحية في ليلة وضحاها، وين واجه قيود أسكتت صوتو القوي، ما بطلش كيف برشة، رغم كل التهديدات قعد ينشط في السر ويناضل فنيا حتى وصلت حياتو على المحك حرفيا، وعندها هرب بجلدو لباكستان وين عاش أصلا مطارد، عاش الفقر وظروف عمرو ما كان يتخيلها للأسف، وبعد عقود من أسر قلوب الشعب الأفغاني، لقاو الجثة متاعو في ظروف غامضة في بيشاور، غامضة بالضبط يعني هاك فهمت الموضوع عزيزي، موتو، ترك فراغ كبير برشة في الموسيقى والثقافة الأفغانية، سربان الي كان كالنسيم يحلّق سكتوه للأبد.

على الرغم من القيود الصارمة والعيش في مكان أشبه “بالجحيم”، إرث ساربان عاش في قلوب الشعب الأفغاني، وحتى في مواجهة القمع، جزء كبير من الشعب قعد يسمع في موسيقاه بالسر، معتزين بأغانيه باعتبارها رمز وطني لزمن أكثر ازدهار وأمل، موسيقاه ولات وسيلة للأفغان للتمسك بهويتهم الثقافية وتذكر تاريخهم الفني الغني الي سعاو الأصوليين باش يمحيوه، يقال أن القلم أقوى من الرصاص أحيانا، وفي تراجيديا تاريخية محزنة، في أفغانستان نفسها، أشرطة ساربان أخطر حتى من الأفيون ربما، تخيل، هنا، القصص متاع الناس الي يتجمعو في مكان ما خلف أبواب مغلقة باش يسمعو موسيقى ساربان هي حقيقة حكايات عن التمرد الهادئ، تعكس الرفض العميق للتخلي عن ماضي أفغانستان المجيد، رغم كل ما تراوه على شاشات التلفاز، الشعب هناك يحب الحياة، لامست ذلك بنفسي مع سائق سيارة أجرة أفغاني قبل سنوات، دندنت له مطلع هذه الأغنية عينيه لمعت فجأة وصاح بأعلى صوت “أستاد سربان زنده باد” ويعني عاش الأستاذ سربان، وقعد يحكي عليه ويسرتجع في أحلى فترة في بلادو.

الرجل تفجرت مشاعره في لحظة، تفجرت بنفس المقدار الي كانت محبوسة بها منذ زمان، وقعدت نغني فيها معاه طول الطريق، التعابير الي ريتهم على وجهو تلخص كل شيء واستحالة ننساها أصلا. سربان كانو يناديولو أستاد احتراما لمقامو كما ينادي الباكستانيين أستاد لنصرت فاتح علي خان، وكما ينادي الإيرانيين أستاد لمحمد رضا شجريان، هذا سربان في رائعة ديشب بخدا خمار بودم وهذا الوجه الآخر الجميل لأفغانستان الي مش باش تراو أمثال جو حطاب يحكي عليه كما لمّع نظام طالبان الأصولي.

🔴 خاطرة أخيرة: أي شخص يحس أنه معجب بالنموذج الأفغاني، منغير تعليق رجاء، ليس عليه إلا أنو يمشي يعيش هناك، وكما قال صديقنا زيرك فأبدع حين قال “أثخن شنب ما يعدي يوم واحد هناك”، أنا عندي أي شخص أو أي جهة على سطح هذا الكوكب الجميل، تمنع وتحرم طفلة صغيرة من الدراسة تحت أي ظرف وأي سبب كان، هو أخطر بكثير من فوّهات البنادق نفسها، هنا، أحيل أيضا هذه الأغنية الرائعة للفنان الكبير صديقنا محمد هاشم قصد برمجتهما للترجمة والسموحة منك، تعسفنا عليك كثيرا، لكن، لتكن هدية لروح هذا الفنان الكبير، حتى لا يُنسى كأنه لم يكن.

الأغنية

لا مراجع هنا، طبعا كل ما دوّن معلوم

إرسال التعليق